ابن ميثم البحراني

260

شرح نهج البلاغة

الشيطان في أنفه . ووصف تلك المنافخ بأنّها اللاتي خدع بها الأمم الماضية والقرون الخالية . وصورة الخداع هاهنا كونهم أراهم الباطل في صورة الحقّ كتزيه الكبر وتحسينه للوازمه وتخييل أنّ ذلك هو الأصلح والأنفع مع أنّه في نفس الأمر ليس بحقّ حتّى كان ذلك سببا لارتكابهم في ظلمات الجهالات ومهاوي الضلالات ، واستعار وصف الإعناق لما يتوهّم من شدّة دخولهم في ظلمات الجهالات وقوّة سيرهم فيها ، وكذلك لفظ الحنادس مستعار لما يتخيّل من ظلمة الجهل ، ولفظ المهاوي مستعار لما يتخيّل من كون الضلالة وطرقها محالّ للهويّ عن أفق الكمال ومدارج السعادة ، وأضاف الجهالة والضلالة إليه إضافة للمسبّب إلى السبب . وذلل جمع ذليل ، وسلس : جمع سلس وهما سهلا الانقياد . وانتصابهما على الحال من الضمير في أعنقوا : أي أسرعوا سهلي الانقياد لسوقه . وقوله : أمرا . منصوب بفعل مضمر تقديره فاعتمد أمرا تشابهت قلوبهم فيه وتتابعت القرون الماضية منهم على اعتماده وهو الفخر ونفخ الشيطان والإعناق في جهالته وضلالته ، وكبرا عطف عليه ، وكنّى بتضايق الصدور به من كثرته وعظمته . ثمّ عقّب بالتحذير من طاعة ساداتهم وكبرائهم تذكيرا بما نبّه عليه القرآن الكريم بذمّ المطيعين لساداتهم وكبرائهم على طاعتهم فيما حرّم اللَّه عليهم وخروجهم بذلك عن سبيل اللَّه ، وذلك قوله تعالى حكاية لما يقولونه يوم القيامة « وقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ والْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً » ( 1 ) والتابعين على متابعة متبوعهم في قوله حكاية عنهم « تَالله إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ » ( 2 ) . وقوله : الَّذين تكبّروا عن حسبهم وترفّعوا فوق نسبهم . فحسبهم ونسبهم إشارة إلى الطين والصلصال من الحمأ المسنون والماء المهين الَّذي هو أصلهم ، ولمّا كان من شأنه أن لا فخر فيه ولا تكبّر لمن هو أصل له ثمّ

--> ( 1 ) 33 - 67 . ( 2 ) 26 - 97 .